في هذه الأيام يمكنك شراء كلية في
مصر بصورة غير شرعية مقابل مبلغ لا يتجاوز 5000 دولار، فقد باع أحد واهبي
الأعضاء اليائسين كليته لفوزية (وهو اسم مستعار) مقابل هذا المبلغ. ولكن دفع
مثل هذا المبلغ الزهيد لم يُساعد المريضة على التماثل للشفاء.
وقبل إجراء أية عملية لزرع أعضاء في
مصر، يتوجب على نقابة الأطباء إجراء تحقيق، ولا يتم القيام بعملية الزرع تلك
إلا بموافقة اللجنة المختصة بذلك.
تُعاني فوزية وهي من صعيد مصر من
فشل كلوي في كليتيها الاثنتين، وبسبب عدم وجود أقارب لها لديهم أنسجة مطابقة
لإنسجتها، وجدت فوزية نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن تضطر لمواصلة
عمليات غسل الكلى في المراكز الصحية الحكومية التي تُعاني من أوضاع متردية أو
أن تجد واهب أعضاء من غير أقربائها لديه الرغبة في التبرع بكليته مقابل مبلغ من
المال وهو ما اختارته.
وفي حالة المريضة فوزية تمكّن
المختبر من دفع رشوة لعضو في اللّجنة من أجل المصادقة على إجراء العملية، حيث
قال محمد وهو ابن المريضة "كان للمختبر أحد المعارف في النقابة، وهكذا استطعنا
الحصول على الموافقة. قبض جميع الأطباء المشرفين على علاج والدتي مبالغ مالية،
ولكنها لم تتعافى بعد".
وأضاف "أمي الآن مريضة جداً إذ فشلت
العملية التي أُجريت لها، فبعد إنقضاء ساعات قليلة على الجراحة اكتشف الأطباء
أن جسدها رفض الكلية المزروعة، وقد عادت الآن لعمليات غسل الكلى ولا تنوي
القيام بأية عملية زرع أُخرى".
وقال محمد أن فوزية حصلت على كلية
من واهب أعضاء من القاهرة، وتم التحضير لإجراء عملية الزرع من خلال عيادة خاصة
تعمل رسمياً بمثابة مختبر: "لقد قمنا بدفع مبلغ 15,600 دولار اشتملت على
الإجراءات والعملية ككل، أما تكلفة شراء الكلية فقد بلغت 4,335 دولاراً فقط".
ويُمثّل هذا المبلغ جميع مدخرات العائلة تقريباً والذي ذهب هباءً نتيجة فشل
العملية الجراحية.
قوانين صارمة وإنقاذ ضعيف
يُمكن زرع الأعضاء الحية فقط في
مصر، وفقاً لناطق رسمي عن وزارة الصحة فضل عدم ذكر اسمه الذي قال أنه "بحسب
التقاليد يحظر الإسلام زرع أعضاء أي شخص متوفى".
ونظراً للمخاطر الحقيقة الناتجة عن
دفع نقود للواهبين مقابل أعضائهم، حاولت النقابة تطبيق العديد من القوانين التي
تهدف إلى الحدّ من الإتجار بالأعضاء. فعلى سبيل المثال، أصدرت النقابة في عام
1996 قراراً تحظر فيه على المرضى تلقّي أعضاء من واهبين لا يتمتعون بدرجة من
القرابة. جاء ذلك ضمن تصريح أعلنه نقيب الأطباء حمدي السيد أشار فيه على أنه
"يُسمح فقط للأقرباء الذين تبلغ قرابتهم الدرجة الرابعة كحد أعلى بالتبرع
بأعضائهم للمريض".
وللحد من شراء أعضاء المصريين
الفقراء من قبل الأغنياء العرب، فقد تم منع الأجانب من تلقّي أعضاء من واهبين
مصريين. وأضاف حمدي أنه "وفقاً للقرار، يُحظر على الأجانب تلقّي أعضاء من
مواطنين مصريين".
وعلى الرغم من ذلك، فإن الإفتقار
لوجود قانون يُنظم عمليات زرع الأعضاء، يجعل من الصعوبة مراقبة الوضع على كافة
المستويات. وبحسب حمدي السيد، طرحت نقابة الأطباء مؤخراً مسودة قانون على مجلس
الشعب يتداولها حالياً مجلس الأعيان في البرلمان المصري "تتضمن أحكاماً تُجيز
عمليات زرع الأعضاء من أشخاص توفوا حديثاً، وهو أمر مسموح لدى العديد من الدول
الإسلامية الأخرى". وأضاف بأن مسودة القرار تتمتع بدعم مفتي القاهرة في جامعة
الأزهر، وهو المرجع الأعلى الذي يلقى تقديراً واسعاً في إجتهاداته الدينية في
العالم الإسلامي السُنّي.
وتتضمن المسودة فرض عقوبات على
الإطباء المتورطين في القيام بأعمال زرع غير قانونية حيث قال السيد "نأمل أن
يتم إقرار هذا القانون بالسرعة القصوى وذلك لتتم معاقبة الأطباء والمؤسسات التي
يثبت تورطها بعمليات الإتجار بالأعضاء"، وأضاف بأنه وفقاً للقانون فإن
المُتهمين سيكونوا عرضة لأحكام بالسجن وإلغاء رخصة ممارسة المهنة الخاصة بهم.
وضع تصعب السيطرة عليه
وأشار السيد إلى أن الإتجار
بالأعضاء ليس منتشراً بالدرجة التي يزعمها البعض، إذ قال بأن "عدد عمليات زرع
الأعضاء يتراوح بين 120 و 130 عملية سنوياً، ولا يعد هذا الرقم مرتفعاً إذا ما
قارناه بعمليات الزرع في الهند مثلاً".
ومع ذلك، فقد أجمع المختصون على أن
هذه الظاهرة بحاجة ماسة لوضع أنظمة معنية بها وخصوصاً في ضوء التفاوت الإقتصادي
الهائل بين الأشخاص في المنطقة. وقال علاء فايز، وهو بروفيسور مختص بجراحة
الأطفال في جامعة عين شمس في القاهرة أن "النقابة قد تمنح موافقتها على عمليات
الزرع دون دراية منها بوجود صفقة مالية. فظاهرياً، قد تبدو الصفقة قانونية
بينما على أرض الواقع يكون هناك اتفاق مسبق يضم المتلقّي والواهب والمستشفى
والأطباء".
وأضاف فايز أنه "من الصعب السيطرة
على نشاطات العيادات الخاصة الصغيرة وهي منتشرة للغاية في مصر".
ويذكر أنه بالحالات التي يكون فيها
الواهب أو المُتلقي غير مصري، لا يتوجب الحصول على رخصة من نقابة الأطباء، حيث
قال فايز أنه "غالباً ما يكون واهبي الأعضاء من السودان مثلاً والمُتلقّين من
دول الخليج الغنية."
وعليه، يتم استغلال حالة الفقر التي
يعيشها واهب العضو لمصلحة طرف ميسور مادياً. وقال إبراهيم عثمان، وهو صحفي مصري
وخبير في هذا المجال أن "الاتفاقات السرية التي تتم بين مرضى سعوديين مستعدّين
لدفع آلاف الدولارات بغية إجراء عملية زرع هو أمر غير مستغرب. ويتم التحايل على
القوانين المنصوص عليها في النقابة لإجراء مثل هذه العمليات".
وأعربت العديد من المجتمعات
المُهمشة عن خوفها من سرقة أعضاء لدى خضوع أفراد منها لعمليات جراحية، وتبلغ
هذه المخاوف ذروتها بين صفوف مجتمع اللاجئين السودانيين. وقالت باربرا هاريل –
بوند، وهي بروفيسورة في الجامعة الأمريكية في القاهرة وتُدرّس مواضيعاً معنية
بالهجرة القسرية ودراسات حول اللاجئين، أن العديد من اللاجئين في مدينة
القاهرة، والسودانيون منهم على وجه الخصوص، أشاروا إلى أن المجتمع المصري
يجعلهم مُهمشّين فيما يتعلق بخوفهم من الأطباء المصريين والتهديد الناجم عن
سرقة الأعضاء".
وأضافت هاريل – بوند "خلال مدة
إقامتي في مدينة القاهرة والتي بلغت ست سنوات، لم أضع يدي على أي دليل يُبرر
هذه المخاوف".
الصحة مقابل المال
في الوقت الذي يُشكّل فيه فقر واهب
الأعضاء المحتمل عنصراً أساسياً من عناصر هذه المشكلة، تلعب الصعوبات التي تكمن
في العيش في مصر وأنت تُعاني من فشل كلوي دوراً مهماً أيضاً في هذا الأمر. وقال
عثمان: " تُعدّ مراكز غسل الكلى ككل غير نظيفة وغير إنسانية، ناهيك عن خطر
الإصابة بالأمراض، حيث يقوم المرضى بإجراء عمليات غسيل الكلى في أوضاع سيئة
للغاية كما أنهم يرضخون تحت وطأة المعاناة طوال حياتهم".
ولذلك لا يُعد قيام العديدين من
مرضى الكلى بالبحث عن بدائل أمراً مستغرباً، إذ قال عثمان "بأننا نرى انتشار
الاتجار بالأعضاء لعدم توفر خيارات أُخرى أمام المرضى